الجصاص
427
أحكام القرآن
وجوب غسلها أو تخليلها لم يجز لنا أن نزيد في الآية بخبر الواحد ، وجميع ما روي من أخبار التخليل إنما هي أخبار أحاد لا يجوز إثبات الزيادة بها في نص القرآن . وأيضا فإن التخليل ليس بغسل فلا يجوز أن يكون موجبا بالآية ، ولما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم التخليل ثبت أن غسلها غير واجب لأنه لو كان واجبا لما تركه إلى التخليل . وقد اختلف أصحابنا في تخليل اللحية ومسحها ، فروى المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال : سألته عن تخليل اللحية في الوضوء فقال : " لا يخللها ويجزيه أن يمر بيده على ظاهرها " قال : فإنما مواضع الوضوء منها الظاهر وليس تخليل الشعر من مواضع الوضوء ، وبه قال ابن أبي ليلى . قال أبو يوسف : " وأنا أخلل " . وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف في نوادره : " يمسح ما ظهر من اللحية وإن كانت عريضة ، فإن لم يفعل فعليه الإعادة إن صلى " . وذكر ابن شجاع عن الحسن عن زفر في الرجل يتوضأ : " أنه ينبغي له إذا غسل وجهه أن يمر الماء على لحيته ، فإن أصاب لحيته من الماء قدر ثلث أو ربع أجزأه ذلك ، وإن كان أقل من ذلك لم يجزه " ، وهو قول أبي حنيفة ، وبه أخذ الحسن . وقال أبو يوسف : " يجزيه إذا غسل وجهه أن لا يمس لحيته بشئ من الماء " . وقال ابن شجاع : " لما لم يلزمه غسلها صار الموضع الذي ينبت عليه الشعر من الوجه بمنزلة الرأس ، إذ لم يجب غسله ، فكان الواجب مسحها كمسح الرأس فيجزي منه الربع كما قالوا في مسح الرأس " . قال أبو بكر : لا تخلو اللحية من أن تكون من الوجه فيلزمه غسلها كغسل بشرة الوجه مما ليس عليه شعر ، وأن لا تكون من الوجه فلا يلزمه غسلها ولا مسحها بالآية ، فلما اتفق الجميع على سقوط غسلها دل ذلك على أنها ليست من الوجه ، لأنها لو كانت منه لوجب غسلها ، ولما سقط غسلها لم يجز إيجاب مسحها ، لأن فيه إثبات زيادة في الآية ، كما لم يجز إيجاب المضمضة والاستنشاق لما فيه من الزيادة في نص الكتاب . وأيضا لو وجب مسحها كان فيه إثبات فرض المسح والغسل في عضو واحد وهو الوجه من غير ضرورة ، وذلك خلاف الأصول . فإن قيل : قد يجتمع فرض المسح والغسل في عضو واحد بأن يكون على يده جبائر فيمسح عليها ويغسل باقي العضو . قيل له : إنما يجب للضرورة والعذر ، وليس في نبات اللحية ضرورة في ترك الغسل ، والوجه بمنزلة سائر الأعضاء التي أوجب الله تعالى طهارتها ، فلا يجوز اجتماع الغسل والمسح فيه من غير ضرورة ، ويقتضي ما قال أبو يوسف من سقوط فرض غسلها ومسحها جميعا وإن كان المستحب إمرار الماء عليها . قوله تعالى : ( وأيديكم إلى المرافق ) قال أبو بكر : اليد اسم يقع على هذا العضو